الحاج إبراهيم سلمان المطرود… توأم الروح الذي نهض بأخيه، والشريك الذي صنع معه قصة نجاح
وُلِد الحاج إبراهيم سلمان أحمد المطرود عام 1344هـ في مدينة سيهات، كان لإبراهيم إلى جانب شقيقه الحاج عبد الله قدرة مبكرة على مواجهة الحياة بعزمٍ لا يلين، فشكّلا معًا ثنائيًا نادرًا، جمعتهما التجربة، وربطتهما الأخوّة، ودفعت بهما الظروف إلى بناء واحدة من أبرز قصص الكفاح والريادة في المنطقة.
بدأت رحلتهما في العمل وهما طفلان لا يتجاوز أكبرهما الثامنة، بعدما عملا في إحدى المزارع لقاء “تمرة في اليوم”. ثم سعيا إلى البحر مع الغواصين، رغم رفض النواخذة لصغر سنّهما، لكن إصرارهما قاد إلى قبولهما الذي شكل أول بادرة أمل في حياةٍ قاسية.
سافر الحاج إبراهيم وشقيقه بعدها إلى البحرين وهما في التاسعة والحادية عشرة من العمر، حيث عملا في مهن مختلفة لتحصيل الرزق. وكانت البحرين محطةً مبكرة زادت من خبراتهما، وعرّفتهم على مجتمعات جديدة، وأساليب متنوعة للعمل.
وفي عمر الثانية عشرة، عمل الحاج إبراهيم لدى عائلة أمريكية في الظهران، يعتني بالمنزل والحديقة، وهناك تعلّم اللغة الإنجليزية والأردو، وهو ما أصبح لاحقًا مفتاحًا مهمًا في حياته المهنية. ومع اكتشاف النفط وبروز شركة أرامكو كأكبر جهة توظيف في الأربعينات، تقدّم الأخوان للعمل فيها، فقبل الحاج إبراهيم، ليبدأ مرحلة جديدة من الانضباط والتعلم والانفتاح.
في أرامكو، اكتشف الحاج إبراهيم عالمًا صناعيًا قائمًا على النظام والإنتاجية، وتعززت مهاراته الإدارية واللغوية، مما أهّله لاحقًا ليكون لديه القدرة التنظيمية”. فبعد سنوات قليلة عمل والحاج عبد الله في مشروع صغير لغسيل الملابس، ومع اتساع العمل، أسسا أول مغسلة أوتوماتيكية حديثة في المنطقة في الأربعينات، ثم تطور المشروع ليضم أكثر من مئة عامل، قبل أن يؤسسا المغسلة الحديثة في الخبر عام 1959م بعد حصولهما على قرض ميسر.
وتوالت بعد ذلك المشاريع الرائدة:
-أول مصنع للألبان والآيس كريم بأساليب صحية حديثة 1956م
-أول مخبز عصري وطني لإنتاج الخبز والكورن فليكس والفطائر1977م
– أول من جلب الأبقار من الخارج إلى المملكة، وإنشاء مزرعة أبقار حديثة وإنتاج الحليب الطازج 1980م
-إنشاء مصنع العصائر 1982م
– وتنفيذ صفقة الأنابيب وقطع الغيار التي شكّلت منعطفًا اقتصاديًا مهمًا لهما.، كان الحاج إبراهيم رجل النظام والتنفيذ؛ منضبطًا، دقيقًا حاسمًا في الإدارة، مؤمنًا بأن الكفات المنتجة هم رأس مال أي منشأة، وأن العطاء يجب أن يوازي الجهد.
ورغم ارتباطه العميق بسيهات وأهلها، اختار الاستقرار في البحرين في أواخر الستينيات، حيث أسس أول مغسلة حديثة هناك، وأنشأ مشروع الإسكان “حدائق المطرود”، ومؤسسة للملاحة البحرية. وكان سبب اختياره البحرين أنه يحمل لها ذكريات منذ طفولته.
حمل الحاج إبراهيم في داخله حسًّا اجتماعيًا عاليًا، فكان شريكًا رئيسيًا في الأعمال الإنسانية الاجتماعية إلى جانب الحاج عبد الله، من تأسيس جمعية سيهات عام 1962م، إلى دعم المحتاجين، وبناء المساجد، ورعاية الأنشطة الاجتماعية. وقد اشتهر بإخفاء أعماله الخيرية، حتى أن كثيرًا من عطائه لم يُعرف إلا بعد وفاته. وفي حرب الخليج الثانية، فتح مجمع “حدائق المطرود” لإيواء العائلات الكويتية المهاجرة، في موقف إنساني نبيل.
وتولّى الحاج إبراهيم عدة مسؤوليات لخدمة المجتمع، منها نائب رئيس جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية، رئاسة نادي الخليج، رئاسة بلدية سيهات، وعمادة المدينة، وترك فيها أثرًا واضحًا في تطوير الخدمات، وتعزيز العمل الجماعي.
ورغم أنه لم يتلقَّ تعليمًا نظاميًا، كان واسع الثقافة، محبًا للقراءة، يملك مكتبة تضم كتبًا عربية وإنجليزية، ويهتم بمتابعة العلوم والأخبار، ويرى أن التجربة هي المدرسة الكبرى. وقد أصقلته الحياة بتجارب مؤلمة، أبرزها وفاة ابنيه عاطف وعادل، إلا أنه ظلّ صبورًا، قويًا، وفيًّا لأسرته ومجتمعه.
وفي فجر الجمعة 24/9/1998م، رحل الحاج إبراهيم عن عمر ناهز الرابعة والسبعين في البحرين، ونقل جثمانه إلى سيهات حيث دُفن. وعندما بلغ الخبر شقيقه الحاج عبد الله، قال كلمته الشهيرة التي لخصت علاقة عمرٍ كامل:
“كسرت ظهري يا إبراهيم.”
لم تكن تلك مجرد عبارة، بل شهادة على أن الحاج إبراهيم لم يكن أخًا فقط، بل نصف القوة ونصف الحكاية، وأن قصة “المطرود أخوان” لم تكن لتكتمل بلا أحدهما.
